الأحد، 19 يونيو 2011

باب هندسة معاك


في طريقي اليومي والممل الي كليتي , تصحبني بعض الكآبة من الاحداث التي حدثت لي في اول 20 دقيقة من يومي , فكالعادة اصحو متأخرا وشجار معتاد مع والدتي التي تناقشني وانا علي عجلة من امري  في كل المشاكل التي تواجهني في الحياة وهي تقول لي : ما انت مش خايف علي مستقبلك مش هاين عليك تظبط منبهك عشان تصحي تروح كليتك اللا مبالاه دي هي اللي هتضيعك خليك في السياسة والبرادعي دول هما اللي هيودوك في داهية " وانا غير مكترث تماما لما تقوله لاعتيادي علي سماعه وانشغالي بارتداء ملابسي وقبل ان اغلق باب المنزل اسمعها تقول " ربنا يحفظك يا حبيبي مش عاوز حاجة.
انتظر اي مواصلة كي تقلني الي الكلية انتظر مايسموه باتوبيس الجمعية او كما يحب بعضهم أن يقول الميني باص والناس حولي متجهمون في انتظار اي مواصله ,جميعهم متأخرون لا احد يذهب الي عمله باكرا او في ميعاده المحدد, مرسوم علي وجهم علامات الغضب والضيق الي أن يأتي الصوت الذي يبهج الجميع  ويبعث فيهم الامل " جامعة –جيزة جامعة –جيزة "
 تتحول علامات الضيق والكآبة الي ملامح جادة كلها اصرار وتحدي يندفع الناس الي الاتوبيس تري المساواة بين الرجل والمرأة في اوج صورتها لا اضطهاد لا عنصرية تري فتاة تدفع رجل في سن والدها كي تصعد هي الي الاتوبيس , واحمد الله علي نعمته التي اعطاني اياها الا وهي لياقتي البدنية التي تمنحني مقعدا للجلوس عليه ثم ينطلق الاتوبيس وسط نظرات حسرة وحقد ممن لم يسعفهم الحظ الذين لم يركبوا الاتوبيس ...ولم تكد فرحتي تكتمل كالعادة فاتنازل عن مقعدي بسبب ما يسموه بالاتيكيت فغالبا ما اري فتاة او عجوز او رجل يحمل حقائب وكأنني الوحيد الذي يلحظ هذة الحالات ولكني أفعل ذلك بكل الرضا فالمتعة ليست الجلوس علي المقعد انما المتعة في القدرة علي الحصول عليه .
اري فتاة تبدو عليها علامات الضيق بسبب وقوفها ومحاصرة الرجال لها سواء باجسادهم او بنظراتهم ولكنها لا تكتسب تعاطفي لاني اشعر انها تريد هذة المحاصرة لكي تشبع غريزتها المريضة في جذب الانظار لها.
رجل يتشاجر مع زوجته بصوت عالي ويصيح في وجهها : عشان تبقي تخلي ابوكي ينفعك استريحتي وقولتي له خليتي منظري زي الزفت قدام عيلتك دلوقتي والزوجة لا ترد تكتفي بنظرة حزن يشوبها بعض الخجل ولكن كان يبدو انها معتادة علي ذلك لم يعلق علي هذا الشجار سوي بكاء ابنتهما بسبب هذا الموقف المحرج .
الرجل العجوز الذي تنازلت له عن مقعدي يحدثني كل 5 دقائق : انا اسف ياحبيبي قومتك من مكانك وانا ارد: خالص يا عمو متقولش كده , يرد : طب هات الشنطة اشيلهالك , أرد بابتسامة هادئة : ربنا يخلي حضرتك .
فتاة محجبة لا تكاد تشعر بوجودها في الاتوبيس ولكن يحرجها الكمسري ويقول : مفيش نص جنيه غير ده , ترد هي بكل خجل : لا والله معيش غيره وتتجه كل انظار من في الاتوبيس اليها .
وعلي النتقيض فتاة تتحدث في هاتفها المحمول بصوت عالي يسمعه كل الحضور من السائق الي السيدة العجوز ذات الجلباب الأخضر البالي التي تجلس في مؤخرة الاتوبيس وتتحدث في هاتفها وتقول: والله قلتله 100 مرة ميزعقليش قدام الناس وبرضه بيغلط الغلطة دي وخلي البت اياها اللي واخده قلم في نفسها تشمت فيا .
طالبان في طريقهما الي مدرسة السعيدية يبعثان الحيوية في الاتوبيس يتحدثان عن اكبر أزمة قادمة في حياتهما وهي امتحان الشهر في مادة الكيمياء , ثم يتحول حديثهما الي مبارة الامس بين الزمالك واتحاد الشرطة والتي لم يحتسب فيها الحكم ضربة جزاء واضحة للزمالك ثم ينقل احدهما للاخر أغنية عبر البلوتوث .
في ظل الزحام الشديد علي الكوبري قبل الدخول الي ميدان الجيزة , الاحظ السيارات المارة والميكروباصات والجمل المكتوبة عليها مثل : " المعاملة خد وهات وعم عشم مات – من النهاردة مفيش حكومة – الأسد في الغابة وابو علاء في امبابة " يستعد بعض الناس للنزول وبالفعل وصلنا الي الميدان لم اراه ولكني سمعت بعض الاصوات التي تبشر بوصولنا اليه هتافات بعض المناديين " دقي امبابة – سيدة سيدة " شجار غير محتدم بين سائق وامين شرطة , مشاجرات واحتكاكات بين ممن صعدوا الي الاتوبيس قبل ان ينزل منه من يريد النزول ويكمل الاتوبيس سيره .
ثم اتفاجأ بسماع مالم يخطر ببالي أن اسمعه في هذا الاتوبيس صوت ماجدة الرمي ينبعث من كاسيت الاتوبيس اتعجب هل يحب السائق سماع ماجدة الرومي وهل يعرف ماذا تعني جملة " والمطر الاسود في عيني يتساقط زخات زخات "
يتحدث الكمسري للسائق بعد ان انتهي من التحصل علي الأجرة ويخبره بقراراته التي يستخذها عندما يصبح رئيسا للجمهورية فيقول : أول حاجة هظبط المعاشات تاني حاجة هاوفر الحشيش في البلد .
تأتي اللحظة التي أفجر فيها كامل غضبي مما حدث لي منذ الصباح , شجار أمي معي ,الفتاة المحجبة التي احرجها السائق ,الرجل الذي صاح في وجه زوجته وبكاء ابنتهما, الفتاة المستفزة التي كانت تتحدث في هاتفها ,الرجل العجوز الذي جلس علي مقعدي ولم يجد من يسنده كي ينزل من الاتوبيس ,نظرة الحزن التي لاحظتها في وجه السيدة العجوز ذات الجلباب الاخضر ,ضربة الجزاء التي لم يحتسبها الحكم للزمالك .
اقولها وبكل غضب : باب هندسة معاك يا اسطي .  

هناك 9 تعليقات: