الأربعاء، 22 يونيو 2011

Neverland




يراهم الآن علي طبيعتهم لا شئ يفصل بينه وبينهم  لا ستار, لا حواجز, تصله مشاعرهم كما هي لا اصطناع ,لا نفاق ,لا مجاملة ,لاتظاهر,يشعر بسقوط حمل كبير من علي عاتقيه المعاملات اصبحت اسهل وإن كانت من طرف واحد ,لا يتذكر الآخرين بأي سوء وصل لمرحلة من التسامح تغنيه عن اي مشاعر ذميمة كالحقد او الغضب او الغيرة أو الرغبة في الثأر وجد في نفسه مسيحاً وان كان هو لايحيي الموتي ولم يتكلم في المهد  وايضاً لن يبعث من جديد يتقبل كل اذي او اهانة في غيابه الحاضر بكل الرضا وتقبل للاعذار يجدهم يذكرون محاسنه فقط يكتشف انه لم يخطئ طوال حياته.

يتفاجأ بتحدث والده إليه حيث قلما تحدث إليه نظراً لظروف انفصاله عنه وغيابه عن منزل العائلة , يذكره بما لم يكن أن يتوقع أن يذكره به , أخبره بأنه تعلم منه الكثير ويشعر بالذنب لأنه لم يستطع أن ينقل إلي ولده ما تعلم هو من خبرات الحياة قال له:
تعلمت منك الجرأة في الحق وإبداء الرأي دون أدني خوف والدفاع المستميت عنه كنت أفخر بك أمام زملائي , ولدي واجه أستاذه الجامعي وتناقش معه حول طريقة معاملته لهم التي يشوبها نوع من التكبر والازدراء واهمال أراءهم , ولدي علي دراية تامة بكل ما يحيط بنا من أحداث يستطيع أن يحدثك عن اي شئ في أي مجال رياضة أدب سياسة دين يناقشك ويقنعك برأيه يشعرك بأنه أكبر سناً مما هو عليه , ولدي يجيد كتابة الشعر ويحفظ العديد من القصائد لأمل دنقل ومحمود درويش , كان يفخر بمواقف ولده السياسية المعارضة للنظام واستبداده وكان لا يخشي من الاعلان عن ذلك .
كان يري في ولده ما افتقده هو من كرامته وهيبة كالتي يتمتع بها ولده بالرغم من صغر سنه ولكنه يحظي باحترام الجميع .
كانت هذة أول مرة يسمع فيها هذا الكلام من والده تفاجأولكنه صدم أيضا لأن كل ما قاله الوالد واقعيا , فكان أكثر ما يؤلمه في حياته هي الصورة التي يبدو عليها والده من ضعف وعدم احترام أفراد العائلة لرأيه وتهميشه في أي موضوع يتصل بالعائلة ولكنه أخبره كذبا بأن كل ذلك غير صحيح قال:
لم أرك يوماً ضعيفاً أو غير موضع احترام , تعلمت منك الكثير تعلمت أن يكن لي رأياً تعلمت أن استمع للاخرين واحترم اراءهم , تربيتك الدينية التي اسستني عليها هي ما جعلتني كما تراني وكما أردت أن تكون يوماً
يندهش لعدم رد والده عما قاله ويحزن من تجاهله هذا .

لأول مرة يعلم بأن الجماد يستطيع أن يتحدث إليه كاد يسقط مغشياً عليه من المفاجأة وظل يردد: سلام قول من رب رحيم
 كان ذلك عندما وجد الكرباج الذي عذب بواسطته في المعتقل عندما قبض عليه في أحداث 6 أبريل عام 2008 والذي ايضا لا يتذكر شكله لانه كان مغمض العينين آن ذاك لا يتذكر منه سوي صوته الوحشي الذي يشبهه بانه يقترب من صوت زفير جهنم ,أخبره الكرباج وقال:
بالطبع لن تقبل اعتذاري وانا متفهم لذلك الأمر ولكني لابد أن اخبرك باننا خلقنا بلا ارادة نحن جماد لا نملك فعلاً او رد فعل لا نستطيع ان نثور أو نرفض أو نقبل أو نعفو أو نتغاضي عن أشياء أو نظلم او نعدل نحن اداه يستخدمها سجانك الذي يستخدمه سجانه الذي يستخدمه سجانه الذي يستخدمه سجانه , عندما رأيتك تتعذب بواسطتي لم أستطع أن احزن او ابكي او امنع طبيعتي الجمادية من أن تؤذيك , لقد تم استخدامي لتعذيب العديد من قبلك ولكني تعاطفت معك تحديدا لا أعرف لماذا ؟ ربما لصغر سنك , ربما لتأكدي من إيمانك بما اتي بك الي المعتقل فكم مررت علي أشخاص انجرفوا الي تيار المعارضة ورفض الاستبداد من باب اكتساب الهيبة او الاختلاف عن الاخرين او تعويض نقص ما.
يرد بعنف: لا اقبل اعتذارك لا اقبل سلبيتك وخضوعك تستطيع أن تثور علي كونيتك الجمادية تستطيع أن تغير الطبيعة التي أنت عليها, تخبرني بعجزك وأنت لم تحاول مرة أن تغير ما انت عليه , اكره شعور التعاطف وخصوصا من كائن مثلك لا يملك سوي أن يخضع إلي طبيعته.
وكما هو الحال مع والده لم يرد عليه الكرباج ولم يدافع عن نفسه , بدأ يشعر أنه يتوهم كل ذلك بدا يصفع وجهه حتي يتأكد بأنهم يحدثونه .

تأتي اللحظة التي انتظرها طويلا ,هي التي تبدأ الحديث معه وليس العكس كالمعتاد تحدثه باكية :
نعم أحببتك واعلم انك تبادلني نفس الشعور وان لم تصارحني بهذا , رأيت ذلك في ارتعاش يديك عندما تتحدث معي , في توترك ونظرات عينيك التي تتحدث أكثر منك . الخجل الانثوي الذي اراه في وجهك والذي لا يعيبك علي الاطلاق , لا تغضب مني لعدم ابدائي أي ردة فعل تجاه محاولاتك التقرب مني التي اري فيها جهدا كبيراً تبذله كي تتغلب علي طبيعتك الخجولة الخالية من اي تجارب سابقة , كانت تمنعني طبيعتي الخجولة ايضا وتربيتي القاسية التي تأسست عليها التي تمنعني من التعامل مع أي شئ ذو طبيعة ذكورية , أحببت فيك تلقائيتك وعدم تصنعك وتجملك كي تجذب الانتباه , أعلم ان لا فائدة مما اقوله فالوقت قد مضي ولكني أعلم انك تسمعني ولكني واثقة من انك لن تجيبني .
يرد مندفعا : بالطبع سأجيبك , كنت اود ان تشاركيني كل الاحداث التي أمر بها كنت اود ان تشجعيني في دراستي أن تبدي قلقك علي عند خروجي في مظاهرة للتنديد بمقتل شاب اثر تعذيبه علي ايدي رجال الشرطة , أحببت تفاصيلك الصغيرة لانها الشئ الوحيد المتاح امامي كي اعرفه عنك , فستانك البنفسجي , تشقق شفاك ايام الشتاء ابتسامتك الساحرة التي يختلط بها احمرار وجنيتك من حيائك المعهود .
لم تكن لدي اي تجارب سابقة في الاعجاب باي فتاة عندما رأيتك استنفرتي كل ما استطيع ان ابذله من جهدي العاجز كي اتقرب منك , كنتي كالصورة الخيالية التي يرسمها الصغار لفتاة احلامهم , كنت احاول كسر حاجز الخوف من رد فعل سئ منك في مراتي القليلة التي تحدثت فيها معك التي عنت لي الكثير رغم تفاهتها , كنتي عالمي المقدس الذي اعظم ذنب فيه هو مجرد التفكير في كسر قواعده .
يندهش من عدم ارتعاش يديه عند تحدثه معها ولكنه ايضا شعر بخيبة أمل وحزن شديد لانها لم تجبه ايضا وتعجب من انه اجابها رغم يقينها بعدم اجابته لها .

تسيطر عليه الحيرة لماذل لا يجيبه أحد تزداد رغبته في معرفة ماهية المكان الذي يحيط به ومن اين له بكل هذة القدرات الخارقة في معرفة مشاعر الاخرين تجاهه مشاعر انتظر طويلا كي يعرف القليل منها وتعجب من كونه ملاكا لم يخطئ ابدا .
ولكن سرعان ما اتته الاجابة المحبطة وادرك حقيقة واقعة أو بالاصح واقع حقيقته اللا دنيوية واللا نهائية

الأحد، 19 يونيو 2011

باب هندسة معاك


في طريقي اليومي والممل الي كليتي , تصحبني بعض الكآبة من الاحداث التي حدثت لي في اول 20 دقيقة من يومي , فكالعادة اصحو متأخرا وشجار معتاد مع والدتي التي تناقشني وانا علي عجلة من امري  في كل المشاكل التي تواجهني في الحياة وهي تقول لي : ما انت مش خايف علي مستقبلك مش هاين عليك تظبط منبهك عشان تصحي تروح كليتك اللا مبالاه دي هي اللي هتضيعك خليك في السياسة والبرادعي دول هما اللي هيودوك في داهية " وانا غير مكترث تماما لما تقوله لاعتيادي علي سماعه وانشغالي بارتداء ملابسي وقبل ان اغلق باب المنزل اسمعها تقول " ربنا يحفظك يا حبيبي مش عاوز حاجة.
انتظر اي مواصلة كي تقلني الي الكلية انتظر مايسموه باتوبيس الجمعية او كما يحب بعضهم أن يقول الميني باص والناس حولي متجهمون في انتظار اي مواصله ,جميعهم متأخرون لا احد يذهب الي عمله باكرا او في ميعاده المحدد, مرسوم علي وجهم علامات الغضب والضيق الي أن يأتي الصوت الذي يبهج الجميع  ويبعث فيهم الامل " جامعة –جيزة جامعة –جيزة "
 تتحول علامات الضيق والكآبة الي ملامح جادة كلها اصرار وتحدي يندفع الناس الي الاتوبيس تري المساواة بين الرجل والمرأة في اوج صورتها لا اضطهاد لا عنصرية تري فتاة تدفع رجل في سن والدها كي تصعد هي الي الاتوبيس , واحمد الله علي نعمته التي اعطاني اياها الا وهي لياقتي البدنية التي تمنحني مقعدا للجلوس عليه ثم ينطلق الاتوبيس وسط نظرات حسرة وحقد ممن لم يسعفهم الحظ الذين لم يركبوا الاتوبيس ...ولم تكد فرحتي تكتمل كالعادة فاتنازل عن مقعدي بسبب ما يسموه بالاتيكيت فغالبا ما اري فتاة او عجوز او رجل يحمل حقائب وكأنني الوحيد الذي يلحظ هذة الحالات ولكني أفعل ذلك بكل الرضا فالمتعة ليست الجلوس علي المقعد انما المتعة في القدرة علي الحصول عليه .
اري فتاة تبدو عليها علامات الضيق بسبب وقوفها ومحاصرة الرجال لها سواء باجسادهم او بنظراتهم ولكنها لا تكتسب تعاطفي لاني اشعر انها تريد هذة المحاصرة لكي تشبع غريزتها المريضة في جذب الانظار لها.
رجل يتشاجر مع زوجته بصوت عالي ويصيح في وجهها : عشان تبقي تخلي ابوكي ينفعك استريحتي وقولتي له خليتي منظري زي الزفت قدام عيلتك دلوقتي والزوجة لا ترد تكتفي بنظرة حزن يشوبها بعض الخجل ولكن كان يبدو انها معتادة علي ذلك لم يعلق علي هذا الشجار سوي بكاء ابنتهما بسبب هذا الموقف المحرج .
الرجل العجوز الذي تنازلت له عن مقعدي يحدثني كل 5 دقائق : انا اسف ياحبيبي قومتك من مكانك وانا ارد: خالص يا عمو متقولش كده , يرد : طب هات الشنطة اشيلهالك , أرد بابتسامة هادئة : ربنا يخلي حضرتك .
فتاة محجبة لا تكاد تشعر بوجودها في الاتوبيس ولكن يحرجها الكمسري ويقول : مفيش نص جنيه غير ده , ترد هي بكل خجل : لا والله معيش غيره وتتجه كل انظار من في الاتوبيس اليها .
وعلي النتقيض فتاة تتحدث في هاتفها المحمول بصوت عالي يسمعه كل الحضور من السائق الي السيدة العجوز ذات الجلباب الأخضر البالي التي تجلس في مؤخرة الاتوبيس وتتحدث في هاتفها وتقول: والله قلتله 100 مرة ميزعقليش قدام الناس وبرضه بيغلط الغلطة دي وخلي البت اياها اللي واخده قلم في نفسها تشمت فيا .
طالبان في طريقهما الي مدرسة السعيدية يبعثان الحيوية في الاتوبيس يتحدثان عن اكبر أزمة قادمة في حياتهما وهي امتحان الشهر في مادة الكيمياء , ثم يتحول حديثهما الي مبارة الامس بين الزمالك واتحاد الشرطة والتي لم يحتسب فيها الحكم ضربة جزاء واضحة للزمالك ثم ينقل احدهما للاخر أغنية عبر البلوتوث .
في ظل الزحام الشديد علي الكوبري قبل الدخول الي ميدان الجيزة , الاحظ السيارات المارة والميكروباصات والجمل المكتوبة عليها مثل : " المعاملة خد وهات وعم عشم مات – من النهاردة مفيش حكومة – الأسد في الغابة وابو علاء في امبابة " يستعد بعض الناس للنزول وبالفعل وصلنا الي الميدان لم اراه ولكني سمعت بعض الاصوات التي تبشر بوصولنا اليه هتافات بعض المناديين " دقي امبابة – سيدة سيدة " شجار غير محتدم بين سائق وامين شرطة , مشاجرات واحتكاكات بين ممن صعدوا الي الاتوبيس قبل ان ينزل منه من يريد النزول ويكمل الاتوبيس سيره .
ثم اتفاجأ بسماع مالم يخطر ببالي أن اسمعه في هذا الاتوبيس صوت ماجدة الرمي ينبعث من كاسيت الاتوبيس اتعجب هل يحب السائق سماع ماجدة الرومي وهل يعرف ماذا تعني جملة " والمطر الاسود في عيني يتساقط زخات زخات "
يتحدث الكمسري للسائق بعد ان انتهي من التحصل علي الأجرة ويخبره بقراراته التي يستخذها عندما يصبح رئيسا للجمهورية فيقول : أول حاجة هظبط المعاشات تاني حاجة هاوفر الحشيش في البلد .
تأتي اللحظة التي أفجر فيها كامل غضبي مما حدث لي منذ الصباح , شجار أمي معي ,الفتاة المحجبة التي احرجها السائق ,الرجل الذي صاح في وجه زوجته وبكاء ابنتهما, الفتاة المستفزة التي كانت تتحدث في هاتفها ,الرجل العجوز الذي جلس علي مقعدي ولم يجد من يسنده كي ينزل من الاتوبيس ,نظرة الحزن التي لاحظتها في وجه السيدة العجوز ذات الجلباب الاخضر ,ضربة الجزاء التي لم يحتسبها الحكم للزمالك .
اقولها وبكل غضب : باب هندسة معاك يا اسطي .