يراهم الآن علي طبيعتهم لا شئ يفصل بينه وبينهم لا ستار, لا حواجز, تصله مشاعرهم كما هي لا اصطناع ,لا نفاق ,لا مجاملة ,لاتظاهر,يشعر بسقوط حمل كبير من علي عاتقيه المعاملات اصبحت اسهل وإن كانت من طرف واحد ,لا يتذكر الآخرين بأي سوء وصل لمرحلة من التسامح تغنيه عن اي مشاعر ذميمة كالحقد او الغضب او الغيرة أو الرغبة في الثأر وجد في نفسه مسيحاً وان كان هو لايحيي الموتي ولم يتكلم في المهد وايضاً لن يبعث من جديد يتقبل كل اذي او اهانة في غيابه الحاضر بكل الرضا وتقبل للاعذار يجدهم يذكرون محاسنه فقط يكتشف انه لم يخطئ طوال حياته.
يتفاجأ بتحدث والده إليه حيث قلما تحدث إليه نظراً لظروف انفصاله عنه وغيابه عن منزل العائلة , يذكره بما لم يكن أن يتوقع أن يذكره به , أخبره بأنه تعلم منه الكثير ويشعر بالذنب لأنه لم يستطع أن ينقل إلي ولده ما تعلم هو من خبرات الحياة قال له:
تعلمت منك الجرأة في الحق وإبداء الرأي دون أدني خوف والدفاع المستميت عنه كنت أفخر بك أمام زملائي , ولدي واجه أستاذه الجامعي وتناقش معه حول طريقة معاملته لهم التي يشوبها نوع من التكبر والازدراء واهمال أراءهم , ولدي علي دراية تامة بكل ما يحيط بنا من أحداث يستطيع أن يحدثك عن اي شئ في أي مجال رياضة أدب سياسة دين يناقشك ويقنعك برأيه يشعرك بأنه أكبر سناً مما هو عليه , ولدي يجيد كتابة الشعر ويحفظ العديد من القصائد لأمل دنقل ومحمود درويش , كان يفخر بمواقف ولده السياسية المعارضة للنظام واستبداده وكان لا يخشي من الاعلان عن ذلك .
كان يري في ولده ما افتقده هو من كرامته وهيبة كالتي يتمتع بها ولده بالرغم من صغر سنه ولكنه يحظي باحترام الجميع .
كانت هذة أول مرة يسمع فيها هذا الكلام من والده تفاجأولكنه صدم أيضا لأن كل ما قاله الوالد واقعيا , فكان أكثر ما يؤلمه في حياته هي الصورة التي يبدو عليها والده من ضعف وعدم احترام أفراد العائلة لرأيه وتهميشه في أي موضوع يتصل بالعائلة ولكنه أخبره كذبا بأن كل ذلك غير صحيح قال:
لم أرك يوماً ضعيفاً أو غير موضع احترام , تعلمت منك الكثير تعلمت أن يكن لي رأياً تعلمت أن استمع للاخرين واحترم اراءهم , تربيتك الدينية التي اسستني عليها هي ما جعلتني كما تراني وكما أردت أن تكون يوماً
يندهش لعدم رد والده عما قاله ويحزن من تجاهله هذا .
لأول مرة يعلم بأن الجماد يستطيع أن يتحدث إليه كاد يسقط مغشياً عليه من المفاجأة وظل يردد: سلام قول من رب رحيم
كان ذلك عندما وجد الكرباج الذي عذب بواسطته في المعتقل عندما قبض عليه في أحداث 6 أبريل عام 2008 والذي ايضا لا يتذكر شكله لانه كان مغمض العينين آن ذاك لا يتذكر منه سوي صوته الوحشي الذي يشبهه بانه يقترب من صوت زفير جهنم ,أخبره الكرباج وقال:
بالطبع لن تقبل اعتذاري وانا متفهم لذلك الأمر ولكني لابد أن اخبرك باننا خلقنا بلا ارادة نحن جماد لا نملك فعلاً او رد فعل لا نستطيع ان نثور أو نرفض أو نقبل أو نعفو أو نتغاضي عن أشياء أو نظلم او نعدل نحن اداه يستخدمها سجانك الذي يستخدمه سجانه الذي يستخدمه سجانه الذي يستخدمه سجانه , عندما رأيتك تتعذب بواسطتي لم أستطع أن احزن او ابكي او امنع طبيعتي الجمادية من أن تؤذيك , لقد تم استخدامي لتعذيب العديد من قبلك ولكني تعاطفت معك تحديدا لا أعرف لماذا ؟ ربما لصغر سنك , ربما لتأكدي من إيمانك بما اتي بك الي المعتقل فكم مررت علي أشخاص انجرفوا الي تيار المعارضة ورفض الاستبداد من باب اكتساب الهيبة او الاختلاف عن الاخرين او تعويض نقص ما.
يرد بعنف: لا اقبل اعتذارك لا اقبل سلبيتك وخضوعك تستطيع أن تثور علي كونيتك الجمادية تستطيع أن تغير الطبيعة التي أنت عليها, تخبرني بعجزك وأنت لم تحاول مرة أن تغير ما انت عليه , اكره شعور التعاطف وخصوصا من كائن مثلك لا يملك سوي أن يخضع إلي طبيعته.
وكما هو الحال مع والده لم يرد عليه الكرباج ولم يدافع عن نفسه , بدأ يشعر أنه يتوهم كل ذلك بدا يصفع وجهه حتي يتأكد بأنهم يحدثونه .
تأتي اللحظة التي انتظرها طويلا ,هي التي تبدأ الحديث معه وليس العكس كالمعتاد تحدثه باكية :
نعم أحببتك واعلم انك تبادلني نفس الشعور وان لم تصارحني بهذا , رأيت ذلك في ارتعاش يديك عندما تتحدث معي , في توترك ونظرات عينيك التي تتحدث أكثر منك . الخجل الانثوي الذي اراه في وجهك والذي لا يعيبك علي الاطلاق , لا تغضب مني لعدم ابدائي أي ردة فعل تجاه محاولاتك التقرب مني التي اري فيها جهدا كبيراً تبذله كي تتغلب علي طبيعتك الخجولة الخالية من اي تجارب سابقة , كانت تمنعني طبيعتي الخجولة ايضا وتربيتي القاسية التي تأسست عليها التي تمنعني من التعامل مع أي شئ ذو طبيعة ذكورية , أحببت فيك تلقائيتك وعدم تصنعك وتجملك كي تجذب الانتباه , أعلم ان لا فائدة مما اقوله فالوقت قد مضي ولكني أعلم انك تسمعني ولكني واثقة من انك لن تجيبني .
يرد مندفعا : بالطبع سأجيبك , كنت اود ان تشاركيني كل الاحداث التي أمر بها كنت اود ان تشجعيني في دراستي أن تبدي قلقك علي عند خروجي في مظاهرة للتنديد بمقتل شاب اثر تعذيبه علي ايدي رجال الشرطة , أحببت تفاصيلك الصغيرة لانها الشئ الوحيد المتاح امامي كي اعرفه عنك , فستانك البنفسجي , تشقق شفاك ايام الشتاء ابتسامتك الساحرة التي يختلط بها احمرار وجنيتك من حيائك المعهود .
لم تكن لدي اي تجارب سابقة في الاعجاب باي فتاة عندما رأيتك استنفرتي كل ما استطيع ان ابذله من جهدي العاجز كي اتقرب منك , كنتي كالصورة الخيالية التي يرسمها الصغار لفتاة احلامهم , كنت احاول كسر حاجز الخوف من رد فعل سئ منك في مراتي القليلة التي تحدثت فيها معك التي عنت لي الكثير رغم تفاهتها , كنتي عالمي المقدس الذي اعظم ذنب فيه هو مجرد التفكير في كسر قواعده .
يندهش من عدم ارتعاش يديه عند تحدثه معها ولكنه ايضا شعر بخيبة أمل وحزن شديد لانها لم تجبه ايضا وتعجب من انه اجابها رغم يقينها بعدم اجابته لها .
تسيطر عليه الحيرة لماذل لا يجيبه أحد تزداد رغبته في معرفة ماهية المكان الذي يحيط به ومن اين له بكل هذة القدرات الخارقة في معرفة مشاعر الاخرين تجاهه مشاعر انتظر طويلا كي يعرف القليل منها وتعجب من كونه ملاكا لم يخطئ ابدا .
ولكن سرعان ما اتته الاجابة المحبطة وادرك حقيقة واقعة أو بالاصح واقع حقيقته اللا دنيوية واللا نهائية